أبو الليث السمرقندي
136
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله ثم خرج من عنده ، فمر بزرع للمسلمين فأحرقه ، ومر بحمار للمسلمين فعقره ، فنزلت هذه الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، أي يعجبك كلامه وحديثه . وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ من الضمير أنه يحبه وهو يريد الإسلام وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، أي شديد الخصومة . قال القتبي : أي أشدهم خصومة . يقال : رجل ألد بين اللّد واللدد ، وقوم لد . كما قال في آية أخرى : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [ مريم : 97 ] . ثم قال : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ ، يقول : إذا فارقك رجع عنك ، سعى في الأرض ، أي مضى في الأرض بالمعاصي . لِيُفْسِدَ فِيها ، أي يعصي اللّه في الأرض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، أي يحرق الكدس ويعقر الدواب . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ، أي لا يرضى بعمل المعاصي . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في صنعك ، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ، أي الحمية بِالْإِثْمِ ، يعني الحمية في الإثم ، يعني تكبرا . يقول اللّه تعالى : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ، أي ولبئس الفراش ولبئس القرار . فهذه الآية نزلت في شأن أخنس بن شريق ، ولكنها صارت عامة لجميع الناس ؛ فمن عمل مثل عمله ، استوجب تلك العقوبة . وقال بعض الحكماء ، إن من يقتل حمارا ويحرق كدسا ، استوجب الملامة ولحقه الشين إلى يوم القيامة ؛ فالذي يسعى بقتل مسلم كيف يكون حاله ؟ وذكر أن يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم تنقض حاجته ؛ فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون الرشيد سعى ووقف بين يديه وقال : اتق اللّه يا أمير المؤمنين . فنزل هارون عن دابته وخرّ ساجدا للّه تعالى ، فلما رفع رأسه أمر به ، فقضيت حاجته . فلما رجع قيل : يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي ؟ قال : لا ولكن تذكرت قول اللّه تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ إلى آخره . وقال قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا دعيتم إلى اللّه فأجيبوا ، وإذا سئلتم باللّه فأعطوا ؛ فإنّ المؤمنين كانوا كذلك » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) ثم قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في شأن صهيب بن سنان الرومي ، مولى عبد اللّه بن جدعان ، وفي نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم ياسر أبو عمار بن ياسر ، وسمية أم عمار ، وخباب بن الأرت وغيرهم ؛ أخذهم المشركون فعذبوهم . فأما صهيب فإنه كان شيخا كبيرا وله مال ومتاع ، فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ، وإني لا أضركم إن كنت معكم أو مع عدوكم ، فأنا أعطيكم مالي ومتاعي وذروني وديني ، أشتريه منكم بمالي . ففعلوا ذلك ، فأعطاهم ماله إلا مقدار راحلته ، وتوجه إلى